أحمد بن أعثم الكوفي
302
الفتوح
فوقفوا يراعون الراية ليس منهم أحد يزول عن موضعه ، والفرس في خلاف ذلك يضحكون ويعطعطون وينعرون ، والمسلمون سكوت لا ينطقون لكنهم قد علقوا المخالي على الخيل وهم يراعون الراية ، حتى إذا زالت الشمس وحان وقت الصلاة هز النعمان رايته هزة ، ونظر المسلمون إلى ذلك فبادروا إلى المخالي فأخذوها عن رؤوس الدواب ، وجعل الرجل بعد الرجل يرمي بنفسه عن فرسه فيصلي ركعتين يبادر بهما ثم يستوي على فرسه ، قال : ثم إن النعمان هز رايته ثانية ، فشد المسلمون عمائمهم على بطونهم وقرطوا أعنة الخيل وشدوا الحزم واستوثقوا من الأثفار والألباب وتهيأوا إلى الحملة ، وجعل الرجل يوصي الرجل الذي إلى جنبه ويقول : يا هذا ! إن منزلي بالبصرة أو بالكوفة في موضع كذا وكذا فانظر إن أصبت أنا وسلمت أنت فصر إلى منزلي فخبرهم بمصرعي ، قال : وكان الكوفي يوصي الكوفي والبصري يوصي البصري ، قال : وبكى الناس بعضهم بعضا مخافة أن تكون الغلبة للفرس على المسلمين ، قال : وهز النعمان رايته ثالثة ، فوضع كل واحد رمحه بين أذني فرسه وجعل يقول للذي إلى جنبه : أوسع لي فإني أريد أن أحمل ، قال : ثم صوب النعمان رايته كأنها جناح طائر أبيض وكبر المسلمون وغشيهم التكبير من الهوى ، فجعلت أقدام الفرس تخفق من ركبهم حتى أن الرجل منهم ليضع النشابة في كبد القوس فترعد كفاه حتى تسقط النشابة من يده . قال : ثم حمل النعمان وحمل الناس معه فاختلطوا واقتتلوا ، وذهب النعمان ليحمل على رجل من الأعاجم ، فحمل عليه رجل منهم فطعنه طعنة في خاصرته ، فسقط النعمان قتيلا ( 1 ) - رحمة الله عليه . قال : وجالت الخيل ونظر رجل من المسلمين إلى النعمان قتيلا إلى عمامة كانت على رأسه فأخذها فضرب بها على وجه النعمان لكيلا ينظر المسلمون إلى وجه النعمان فيفشلوا عن القتال . قال : وتقدم معقل ( 2 ) أخو النعمان فرفع الراية للمسلمين ثم حمل ، فلم يزل
--> ( 1 ) في استشهاده أقوال : قيل زلق به فرسه فصرع ( الطبري - ابن الأثير ) وقيل رمي بسهم في خاصرته فقتله ( ابن الأثير ) وقيل إنه بعد أن زلق به فرسه ووقع جاءه السهم في خاصرته فقتله ( البداية والنهاية ) . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير ( نعيم ) وقد أخذ الراية وسلمها إلى حذيفة بن اليمان ، وفي البداية والنهاية : لم يشعر به أحد سوى أخيه سويد ، وقيل نعيم . وأمر حذيفة ( عند ابن الأثير : المغيرة بن شعبة ) بكتم موته حتى يتفضل الحال لئلا ينهزم الناس .